جريدة الأنباء و الفنون

أحلام و آهات الإنسان المقهور في رواية “الجنيس” للكاتب عبد الحميد البجوقي

فدوى الجراري/شؤون

“الجنيس” رواية من توقيع الكاتب عبد الحميد البجوقي، تحاكي وقائع ربما عايشها الكاتب بشكل مباشر أو غير مباشر، أو كان شاهدا عليها في حقبته الزمنية، وزع بين ثناياها عصارة أحداث مرت و مواقف أدمت القلوب قبل الأعين.

كم هي صعبة الحياة عندما ترمي بمصائبها في ملعبك و تتركك تتقاذف معها يمينا و شمالا، هذا حال سعيدة التي لم تعانق السعادة إلا في الاسم الذي تحمله، فالأب هجر و اختفى دون أن تترعرع في كنفه و حمايته، و الزواج أرخى بصدى الصمت في علاقة لم تكن سوية منذ البداية، حيث كان إرغاما من الأم إيمانا منها أنها أدت الأمانة اتجاه ابنتها قبل أن توارى الثرى، و الحب جاء في غير أوانه و من منبع لا يتوافق و المنى، العزاء كان في ابنة سمتها سهام لعل بها تصيب سهام الأحلام المنشودة و ابن سمته سهيل لعل الحياة تسهل و تيسر شدائد الدهر بعد كل الشقاء و العسر اللذان ظلا لصيقين بها لأمد طويل، لأجلهما تكبدت عناء العمل لتوفر لهما ما عجز الأب عن توفيره فراتبه يجرفه بحر القمار و الخمر و أحضان البغايا، حتى قتل على يد إحداهن، تحملت سعيدة مسؤولية تهد الجبال، و رغم ذلك كله لم تكن الحياة رحيمة بها هذه المرة أيضا، إذ ستنقلها من سجن الحياة إلى السجن النظامي الذي قضت به سنتين ظلما بعد اتهامها بقتل زوجها، ما سيضطرها بعد ظهور قرينة براءتها لمغادرة مدينة الدار البيضاء البيضاء في اسمها، الحالكة في عيني سعيدة نحو مدينة مرتيل، كخطوة أولية في طريق الهجرة نحو الضفة الأخرى، لربما تكون أرحم بهم من أرض الأم القاسية، قرار سيكون نهاية دور سعيدة البطلة، إذ انطفأت شمعة نور حياتها الخافتة برصاصة شرطة السواحل و هي تحاول العبور إلى بلاد أخرى بغية تأمين مستقبلها و مستقبل أبنائها، لتصبح ضحية حلم قاتل، ماتت سعيدة و ورثت لأبنائها الألم و المعاناة و الوحدة، لكنهما بعد عناء سيطأ تلك البلاد التي رسمت أمهما على أرضها أحلاما و سعادة، إلا أنهما ذاقا عذابا و قسوة من نوع آخر، من أجل إثبات الذات و إثبات أحقيتهما في العيش الكريم و بداية فصل جديد في حياتهما لعله يحمل بين سطوره السعادة و الهناء.

مادة إعلانية

الرواية في مجملها تناقش على لسان شخصياتها قضايا و تيمات إنسانية و اجتماعية كبرى، تلامس مختلف جوانب و وقائع الحياة، و آثارها على الترابط الاجتماعي، و الوقع النفسي لكل شخصية، انطلاقا من اختفاء أب سعيدة الغامض و كيف أثر ذلك على تنشئة سعيدة، الاغتصاب و أخذ التأثر الذي كان سبب الهجر، الفقر، الطلاق الصامت بين سعيدة و زوجها، خيانة الصداقة و الأخوة (زوج سعيدة مع صديقتها)، الاتجار في السلع المهربة و البشر أيضا، مآسي الهجرة السرية عبر قوارب الموت، المطالب النضالية المدافعة عن حقوق المهاجرين في الاندماج داخل المجتمع الحاضن، التسامح و التعايش الديني، الصراع الاديولوجي بين أنصار اليمين و أنصار اليسار و نظرتهم الدونية تجاه المهاجرين أو ما يصطلح عليها بالعنصرية، نظرة المهاجر نفسه إلى بلده الأم و بلده الحاضن و صراعه النفسي بين الحفاظ على هويته و التخلي عنها لصالح ضمان سرعة اندماجه، هذا التنوع الكمي و الكيفي من المواضيع و القضايا الشائكة قدمها “البجوقي” بأسلوب سلس و بسيط، كما أنه وظف مصطلحات هي راسخة في أذهان المغاربة و التي أججت ثورة البعض “طحن مو”، “الموت و لا المذلة”، و أرخت لأحداث لن تمحى من تاريخ المجتمع المقهور “قضية محسن فكري”، “موت المهاجرة التطوانية في السواحل رميا بالرصاص” و إن كان البجوقي قد أعلن أن أي تشابه بين أحداث الرواية و الواقع هو محض الصدفة، إلا أنه ليس من العيب أن يحيي الكاتب وقائع مضت في قالب روائي سردي، فالكاتب في كليته جزء من المجتمع، و على امتداد 160 صفحة ترك مساحة لكل شخصية تدلي ما في جعبتها و تسمع صوتها و تبوح بمكنوناتها الداخلية من خلال نهجه التقطيع المحوري أو نظام الفصول في المتن السردي، حيث امتد التقطيع في مجمله إلى 25 فصلا، و ختامه خطف ابتسامة من قراءه أن جاءت النهاية سعيدة انتصر فيها الحب و التسامح على البغض و الكراهية، و أن شمس الصباح ستشرق مهما طال ظلام الليل، و لعل صباح سهيل و سهام و غيرهم من المنكوبين و المقهورين في غربتهم يكون عزاء لهم على ما تكبدوه من عناء في سبيل مستقبل واعد، حتى لو كان ثمن ذلك غاليا التنازل عن بعض المبادئ و القيم لصالح مبادئ و قيم أخرى.

خلاصة القول أن البجوقي تمكن من أسر القارئ من بداية الرواية إلى منتهاها و العيش مع البطلة سعيدة و أولادها كأنهم فرد من عائلة القارئ، ذلك أن الواقع المعيشي للمجتمع المغربي متشابه، و واقع المهاجر خصوصا صراعه من أجل ضمان أحقية تواجده في بلاد المهجر أيضا متشابه مادامت أن الدوافع و الأسباب هي نفسها البحث عن وضع معيشي أفضل خارج سرداب الفقر و البطالة و الهشاشة.