أعلنت مجلة فرانس فوتبول الرياضية قبل أيام عن الفائز بالكرة الذهبية للسنة، ترتب عنه اندلاع نقاش حاد حول حرمان لاعب برازيلي من الجائزة، و اصطف المتتبعون، بما فيهم نحن، في هذا الجانب أو ذاك حسب الانتماء. لم يكن أخذ موقف رمادي إمكانية، أينما حللت سُئلت بنفاذ صبر، إلى أي الفريقين أنت. و على نفس المنوال، يضطر الكثير منا، يوميا، لاتخاذ موقف يمينا أو شمالا، تجاه النزاعات السياسية و العسكرية في العالم بالتعاطف أو الشماتة، تجاه معتقل سياسي بالتنديد أو الثناء، تجاه مفكر يعيش خارج الأنساق بالتكفير أو التسامح… و هكذا. فالبطبع لا يجب علينا، بل لا يسعنا، فطريا، و منطقيا، أن نكون جميعا محافظين، أو نصير بالضرورة، و أوتوماتيكيا، حين الرفض، ليبيرالين، أن نكون مؤمنين، أو مارقين، ملائكة أو شياطين، قديسين أو ملاعين.
لم تثبت الأساطير و الحضارات و الأديان و الإيديولوجيات عبر رحلتها غير أن الإنسان كائن مركب، يستعصي حشره في خانة واحدة، لذا من الغريب حرص الجماعة على تحصيل موقف الفرد من كل قضية، حتى يتسنى لها تصنيفه في إحدى خانتين ضيقتين هما: “مع” أو “ضد”، في اغتيال واضح لإمكانات التأويل التي توفرها الحياة، التي لحسن الحظ ليست بميكانيكية إشارات ضوئية وامضة، أو زِرّيْ مصعد.
لم تقم الحضارة الأوروبية خلال فترة التنوير سوى على مبادئ القبول بالاختلاف من حيث هو فرصة للاقتراب أكثر من الحقيقة و من الكمال، الذين أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ، أنه مطمح بعيد من الراغبين في بلوغه بشكل انفرادي. لذا كانت حقبة زمنية قطعت مع عقلية القطبين، و شجعت على استخدام العقل و التفكير النقدي و تجنب التعصب و الراديكالية. الفلاسفة مثل جون لوك و كانط و ديكارت أصروا على أهمية الحرية الفكرية و التسامح. كم أبدعَ في قوله فولتير: “قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أموت دفاعًا عن حقك في التعبير عنه.”
في نفس الاتجاه، تحدث سعيد ناشيد في كتابه الطمأنينة الفلسفية عن حساسية مسألة الاختيار، و رد صعوبة الأمر إلى كون القيام باختيار بغض النظر عن طبيعته، هو فعل ينطوي على اغتيال مرير لعدة خيارات أخرى، قد، بل تحمل معها، بالفعل، مسارات حياتية أخرى مغايرة. لذا فإن اختزال توجهات البشر و اختلافاتهم الغنية في طرفي نقيض، محصورة في “نعم” حاسمة أو “لا” نهائية، بدون استدراكات و لا احتمالات، هو هرق لجمالية التنوع الذي يتيحه الفكاك من الازدواجية الجبرية في الاختيار.
و أنا اليوم شاكر لأبي أنه لم يكن، عن قصد أو غير قصد، أصوليا، لم يكن راديكاليا، لم يفرض في البيت توجها معينا، لم يكن سكيرا و لا كان عابدا، لم يكن معربدا و لا راهبا، أشار علينا على الدوام، بالتزام الأمانة و حسن المعاملة، و بالصدق و النزاهة، لا من منطلق ديني بحت، بل من حيث هو دأب الإنسان السوي.
و بفضله اليوم، أصلي صلاة الحر لا صلاة العبد، و أدعو دعاء المحب لا دعاء المضطر، و عندما أتوه، و أعربد، و أفسق، لا يصير ذلك نمط تفكير، و نظام سلوك. و لا مبدأ توجه لا يقبل المساومة، بل لحظات صعود و هبوط اعتيادية في الحياة، لا تفترض في الإنسان باستحالة، بل ما يُفترض في أهل الأرض من ضعف و هشاشة و تشكك و نزوع نحو التجريب و الفضول.
و بالموازاة أتساءل و أنا أصيب كل من أعرفهم بلوثة القراءة و التفكير، ألا أدفعهم بذلك إلى المأساة. الأدب في النهاية يتغذى على معاناة العالم، و يشير إلى القبح أينما وجد، و يصدح بالحقائق جهرا. و الحقيقة مرعبة، صلدة، و قاسية.
ألست بشكل أو بآخر راديكاليا؟ و إن بشكل ناعم، بشكل يبدو، لي على الأقل، ذا قصد و جدوى، لكنه يقلص مساحة الشك، و يضيق رحابة الاختيار. و يلغي إمكانيات التيه و التجريب في عوالم أخرى غير عالم الكتاب على رحابته و سحره.
يمكن لنا أن نستفيد بشكل بالغ من ترسيخ ثقافة الانفتاح على تنوع و غرابة الاختيارات التي نقوم بها يوميا، في المدرسة، و السوق، و العمل، في دور العبادة و الحانات، في الملاعب و المراقص و المجالس، و الإعراض عن ضيق أفق التصنيف في خانات، و الرص في رفوف فكرية، و الزج بالأفراد في أنساق اجتماعية محدودة، في الكرة كما في الزواج كما في العقيدة.. يقول محمد إقبال الشاعر الصوفي الهندي الرائع: أنا أؤمن بالله وأحبه، لأنه منحني الحق في أن أكفر به.

