لا يمكن أن تقول أنا مثقف لسبب مُكتسب أبداً فالثقافة ليست مكتسبات معرفية أو مشتريات أو تعلّم او تزيين بلباس أو العكس ، الثقافة هي معرفة بآليات وطرق الحلول وتضييق مسافات الخلاف و اختصار الجهد و إيجاد المفقود و سد النقص في قلة الفهم ولم تكن يوماً وليدة أو قرينة فعل ومكتسب معين تحت أي ضرف معين فبمنتهى البساطة اللغات واللهجات وسائل للتواصل في المجتمع الواحد ترتبط بالمكان ولا علاقة لها بكونك متحضراً و متطوراً وهي ليست معياراً لشيء سوى الإجتهاد إذا تحدث الانسان بغير لغته .
شهادتك ليست أكثر من مؤهل أكاديمي يمكنك من ممارسة عمل معين في جانب معين وهي تحصيل حاصل جهد شخصي ولا تعني بالضرورة أنك مثقفاً فثقافتك هنا ليست أكثر من تعلّم ما جاد به غيرك لأغراض مصلحتك الشخصية وحسب .
وجبات الطعام الخفيفة والسريعة ليست أكثر من وسيلة لسد الجوع ولا علاقة لها بالتحضر أو النخبوية الاجتماعية ، مثلما البقوليات هي مجرد حبوب للأكل ولاعلاقة لها بالفقر .
سيدة المنبهات القهوة لا علاقة لها بالثقافة الشخصية ولا بالقراءة فقد قرأتُ كل مؤلفات ميشال زيفاكو و فريدريك نيتشه و زوربا و غيرهم و تمتعت بالنظر لأعظم اللوحات عندما كنت يافعاً و أنا أعمل في بستان أبي و أتناول ما ألقت النخيلات من تمر . وحالياً لدي ثلاثة عشر كتاباً في الشعر والأدب والمجتمع والصحافة ولم أحصل إلا على شهادة التمريض .
السيارة وسيلة نقل تأخذك من مكان إلى آخر سواء كانت مرسيدس أو بيتل ولا تمنحك أي امتياز سوى مسألة ذوقك في اقتنائها وقناعاتك الشخصية .
وكذلك لا امتياز لك في النسب فأنت لم تختره بل ولدت فوجدت نفسك تنتمي إليه حتف أنفك .
أخلاقك هي الفيصل في كونك متميزاً أو لا و تعاملك مع الانسان هو الذي يحدد طبقيتك و افضليتك ، و الثقافة لا تجتمع مع اثنين ( حب الدنيا و حب المال ) قدر انغماسها بحب الحياة واحترامها كمبدأ عظيم يقول ضرار صاحب رسول الله ص دخلتُ على علي ع فجراً في زاوية المسجد فوجدته قابضاً على لحيته متململاً ويقول : يادنيا اليكِ عني غري غيري أ الي تشوقت ِ؟ .
و قال الحسين ع حين مصرع ابنه علي (على الدنيا بعدك العفا) لكنه قاتل ببسالة وشجاعة حتى فارق الحياة احتراماً لها باعتبارها هي من جعلته يجاهد ليصحح مسارها .
وقال عمر بن عبد العزيز حين أتوه بعمامة الخلافة مرصعة بالياقوت : ويلكم أنا الذي سأحملها فوق رأسي لا هي من سيحملني ولا أضعُ على رأسي حجراً ماحييت .
وقال الفيلسوف اليوناني انكسيمدرس : إن الانسان هو مبدأ الحياة و فحواها فلا تهينوه فتضيع متعتها .
وقال عمر المختار حين عرضوا عليه السلطة : أنا كهل من هذا الشعب سأموت و يبقى و لستُ موجده ولا صاحبه و خلدت مواقف مولاي موحند وهو رجل بسيط من الريف إلا أنه أحب وطنه وشعبه ووقف بوجه الإحتلال الذي يتفوق عليه بالمعرفة و العلم والقوة ، وكذلك كان موقف الثائر العراقي شعلان ابو الجون وهو شيخ قبيلة تسكن جنوب العراق . هؤلاء كانوا مثقفون لدرجة انهم وقفوا بوجه قوى متحضرة تفوق تحضرهم و ونمط حياتهم بسنين ضوئية .
الخلاصة :
ثقافتك هي محدد معنوي مرتبط بإنسانيتك و يحق لك فقط أن تتميز بما تقدمه للإنسان والحياة وتفخر بأخلاقك لا بسواها فهي التي تحملك و تنقلك و ترفعك . لا الدين ولا المعتقد و لا العشيرة ولا الحساب المصرفي يمكنه أن يجلب لك الاحترام . لم يكن تشي جي فارا متديناً ولكن الجميع يحترمونه و كان أبو جهل من علية القوم من بني هاشم ولكنه يُلعن إلى الآن بينما نترحم جميعاً على سلمان الفارسي في حين مات ابو ذر الغفاري فقراً وإلى الآن يعتبره المثقفون قيمة عليا لرفض التسلط . مات هيوارد كارتر مريضاً جائعاً في حين استمر نقل الكنز الفرعوني الذي اكتشفه في مصر إحدى عشرة سنة من المقبرة إلى المتحف المصري وكان بإمكانه أخذ مايريد فقد كان تابعاً لسلطة الاحتلال آنذاك .
هكذا كانت الثقافة ولما تزل وستبقى مابقيت القيم الإنسانية المجردة الخالصة فالثقافة حياة حياة مجردة و نبل خالد .

