صحراء النقب: ياقوت “إسرائيل” الخفي
فاطمة موسى/شؤون
الموقع و المساحة
تقع صحراء النقب في الجزء الجنوبي من فلسطين، و يبلغ عدد سكانها 770 ألف نسمة، و تقدر مساحتها بأكثر من 12.5 ألف كيلومتر، أي ما يقارب نصف مساحة فلسطين تاريخيا (27 ألف كيلومتر) و حوالي 60% من الأراضي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي و من أهم مدنها: مدينة بئر السبع، ديمونا، رهط، و تل عراد.
معظم الأراضي في النقب امتلكها أصحابها بالوراثة دون مستندات رسمية، و لهذا استعملت “إسرائيل” قوتها في انتزاع الأرض من أصحابها بعد صدور قانون امتلاك الأراضي سنة 1953 الذي نص على تسجيل الأراضي غير المملوكة رسميا تحت بند أملاك الدولة.
الاستيطان الإسرائيلي
يعود تاريخ الاستيطان “الإسرائيلي” إلى نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، حيث وضع الصندوق القومي اليهودي ممتلكاته في النقب و أسس ثلاثة كيبوتسات عام 1943: جيفولوت، بيت إيشيل، و رفيفيم. بين عامي 1946 و 1947، أنشئت 15 مستوطنة جديدة، و زُودت جميع البؤر الاستيطانية بالمياه عبر خطوط أنابيب من السهل الساحلي الجنوبي.
بعد قيام إسرائيل عام 1948، وُضِعت خطط نقل المياه من شمال و وسط البلاد إلى النقب ضمن خطة المياه الوطنية. وفق اتفاقيات الهدنة عام 1949، سيطرت إسرائيل على النقب بالكامل باستثناء قطاع غزة.
في التسعينيات، استوعبت المنطقة عددا كبيرا من مهاجري الاتحاد السوفياتي السابق، مما عزز التوسع العمراني و تطوير البنية التحتية، و شجع اليهود على الاستقرار في النقب.
في العام 2005 وضعت “إسرائيل” خطتها الاستراتيجية التي هدفت إلى حصر عدد سكان النقب من الفلسطينيين العرب في 200 ألف نسمة مقابل مليون يهودي بحلول 2015، و خصصت لتنفيذ هذا المشروع 4 مليار دولار، و في العام 2015 قُدِّرَ عدد المُنضَمِّينَ للجيش الآسرائيلي من فلسطينيي النقب في نسبة ضئيلة بلغت حوالي 110 فردا من أصل 317 ألف نسمة.
في عام 2013، أقرت سلطات الاحتلال قانون “بيغن-برافر” بهدف تهويد صحراء النقب و عسكرتها، مما تضمن مصادرة 850 ألف دونم من أراضي ابفلسطينيين البدو، و هدم 35 قرية غير معترف بها، و تهجير نحو 100 ألف من سكانها، كما أقامت “إسرائيل” في النقب مشروعات استراتيجية بارزة، منها: مفاعل “ديمونا” النووي، و قواعد عسكرية و أمنية، و قواعد جوية، و مراكز تدريب، و كليات عسكرية، و سجون، و محطات تجسس تُعَدُّ الأضخم في الشرق الأوسط.
و يقول الباحث إسماعيل أبو أسعد إن سياسة إسرائيل تجاه البدو العرب في النقب تكشف عن استمرارية أهدافها الصهيونية الرامية إلى تهويد المنطبة و نزع الهوية الفلسطينية عنها، مع تطور آليات التنفيذ التي شملت الإقصاء و المصادرة و إعادة التمركز الداخلي. تمثلت أبرز هذه السياسات في فرض خطط توطين مبرمجة في تجمعات صغيرة دون استشارة السكان، بعد تجريدهم من أراضيهم، و مواجهة مقاومتهم عبر إدارات تنفيذية خاصة. كما أن رفض السلطات الإسرائيلية إنشاء قاعدة زراعية في هذه البلدات يعكس هدفها الأساسي بتجريدهم من أراضيهم، بما فيها الزراعية.
لترسنة خطتها، تنفذ “إسرائيل” سياسة التهميش و تدمير الثقافة الخاصة بأهالي النقب ، و تحرمهم من أبسط الحقوق كالمياه و الكهرباء و الصحة و التعليم، ناهيك عن تهديدهم المستمر بالإخلاء و التهجير القسري و عمليات الهدم، و تجعلهم مجبرين على التجنيد الطوعي داخل الجيوش “الإسرائيلية”، لتكون بهذا صحراء النقب مشروعا حيويا للمنشآت الاستراتيجية الاستيطانية وياقوت “إسرائيل” الخفي.

