يعيش العالم خلال العقد الأخير، بدون شك، إحدى تلك الفترات التي تتسم بتتالي الأزمات و تشعبها و تشابكها، سياسيا و اجتماعيا و مناخيا و أخلاقيا. و على نفس الخط، تتراكم الأزمات الوجودية و تتعقد يوما بعد آخر، حيث أصبح الفرد المعاصر مطبوعا بالتيه و الغربة و القلق.
لا شك أن رد الفعل الآلي في حال مثل هذه، هو التفكير في سبل الخلاص من هذه المشاكل، لكن هذه المحاولات الأفلاطونية تلو الأخرى، و التي تصير جميعها إلى الفشل، لسبب أو لآخر، جعلت الكثير من الأفراد اليوم مقتنعين أننا نعيش داخل دكتاتورية كبيرة يحكمها الرأسماليون الكبار بأنساق اجتماعية و سياسية و قانونية و اقتصادية دقيقة و متقنة.
من ما زال يصدق أن العالم صار أفضل؟ و أن الفرد اليوم، يعيش وفق شروط معيشية ترِفة كانت محض خيالات يقظة بالنسبة للأجيال البائدة؟ ربما لا أحد.
حتى الحرية التي تعتبر أعظم ما طبع رحلة الإنسان منذ وجوده حتى الحداثة و ما بعد الحداثة، أخذت تخطو إلى الوراء خطوات واسعة، و إن كانت مبررات هذه التراجعات ناعمة و مغلفة بدواع تبدو مشروعة، الحرية التي تعني حق الرفض: رفض التدخل في الجسد، و في المعتقدات، و الأملاك. كلها أصبحت غايات بعيدة المنال، بعد فرض تطعيمات تلو أخرى على الجسد، دون امتلاك حق الرفض، الجسد الذي هو الوعاء الذي يحفظ للنفس الواعية استمراريتها، و الذي يعني فقدان الوصاية عليه، فقدان الاستقلالية التي تعطي للذات مسوغا لوجودها.
على أن عددا من التجارب و الدراسات التي يُحاصر الكثير منها، إلا من شذرات يتم نشرها على الأنترنت هنا و هناك، أحيانا، تؤكد أن جسم الإنسان لا يحتاج لكل هذه التطعيمات و الأدوية و المضادات التي و إن رتقت ثقبا خرقت ثقوبا، و يظل التفسير الوحيد أن لوبيات شركات الأدوية تبسط يدها الطويلة الممتدة إلى أجسادنا قسرا.
كما أن الضرائب المتناسلة بشكل غريب، و رسوم التأمين الإجبارية الآخذة في الاستفحال، مقابل ساعات العمل الطويلة، تصب جميعا في اتجاه استعباد الأجساد، و إنهاك العقول بالعمل، في سبيل تأمين لقمة عيش للبقاء، ليصير بذلك الفرق بيننا و بين عبيد القرون الإقطاعية الوسطى الأصفاد و الفيسبوك.
إن الحال العامة التي يعيشها الأفراد اليوم، تذكرني، أحيانا، بصديقة هولندية تزاول الفن التشكيلي، دأبت على الترديد بأن الهيئات النقدية و الصحية العالمية تسوق الفرد المعاصر إلى المذبح بيد من حديد، كانت تؤمن أن الحل هو الفكاك من “نظام الأخ الأكبر system of big Brother” في إشارة إلى كتاب جورج اورويل 1984، بل ترى أن الألح اليوم، الخلاص من الحضارة و من كل تبعاتها، عبر النزوح نحو ما تبقى من أراض غير مطروقة، و حضارات بدائية في الكاريبي أو إفريقيا.
لا أخفي أنني نظرت إلى تلك الأفكار أيما مرة بعين الازدراء، مفكرا أن السيدة نموذج للانسان الاوروبي الذي حاز ضروريات و متع الحياة جميعها، و فقدانه لكل شغف أورثه هذا النوع من العدمية المعاصرة، غير أن التطورات المتسارعة، تبين أن أولئك يرون غير ما نرى، من زاوية أوضح، حيث أننا منشغلون عن قضايا بهذه للخطورة، في رحلتنا السرمدية للبحث عن الخبز و العيش الكريم في بلدان العالم الثابت.

