فانتازيا الصور في ملحمتي المنفلوطي
فدوى الجراري/شؤون
“أرض لوراسيا” و “بلاد جندوايا” رواية من جزأين يبدأ الثاني من حيث ينتهي الأول، و في النهاية يعود أبطال الثانية ليبثوا الحياة في أنقاض أرض الأولى.
العمل يعد أولى باكورات الكاتب المغربي الصاعد ياسر المنفلوطي، فمن عالم الخيال و الفانتازيا استلهم الفكرة المحورية لبناء حبكته الروائية، و اتكأ على بساطة و سلاسة اللغة ليجذب قراءه و يسافر بهم عبر الزمكان، و اتخذ من التشويق و الإثارة ديدنا لشد انتباه المسافرين على متن نصه في رحلة طويلة ماتعة، لا تتيح للمرء خيار التوقف إلا عند إغلاق بوابة الجزأين عند الصحفة 620.
المثير في الرواية أنها تقدم خليطا من الأنماط و الشخصيات الإنسانية، و صراعا داميا و دراميا بين الخير و الشر في سباق الجشع من أجل محاولة إشباع غريزتي التملك و التسلط، و الحفاظ على المكتسبات سواء أكانت مشروعة أو غير مشروعة، و لو خسر الأب ابنه أو الأم ابنتها فليس ذلك بالأمر المهم في أرض لوراسيا، و إنما الأهم أن تظل تلك الصورة الراسخة في أذهان الآخرين ثابتة محافظ عليها-صورة العرافة، القائد، الحكيم،…-، و في المقابل الآخر هناك معان سامية للحب و التضحية و الوفاء بالعرفان حتى لو كان الجزاء الهلاك و الموت، و هذا ما يخلق نوعا من الثبات و التوازن داخل فضاء المتن الحكائي للرواية بجزأيها.
من جانب آخر أثار المنفلوطي قضايا مثيرة جدا بشكل يجعل القارئ ينساق وراءها رغم غرابتها، و لعل أبرز هذه القضايا في أرض لوراسيا هي عادات البلوغ عند الفتيات اللواتي يشكل لهن هذا الانتقال من عالم الطفولة البريء إلى عالم آخر لا يدرين نهايته إذ أنه مشروط بالنجاة من سقطة الشلال و مقاومة تياراته، فكل أب/ أم مجبر على رمي ابنته إثر بلوغها من أعلى حافة الشلال إما يكون مصيرها النجاة و العودة إلى أحضان ديارها سالمة، أو أن تكون كبش فداء لقومها و أرضها و تقدم قربانا للآلهة حماية لهم من الكوارث الطبيعية من قبيل الفيضانات و الزلازل، و لهذا يكون الآباء حريصين على تعلم بناتهن السباحة منذ الصغر للتجاوز هذا الامتحان العسير بسلام، غير أن “كاشان” و هي إحدى بطلات الرواية كانت الاستثناء إذ أن والدها كان يرفض تعليمها السباحة لغصة الشك التي كانت في قلبه اتجاهها كونها ليست ابنته و إنما هي ثمرة خيانة زوجته له مع القائد الموكل إليه مراقبتها وحمايتها، موضوع الخيانة الزوجية أيضا كانت من النقط المثيرة في أرض لوراسيا و النتيجة أنها تسفر عن أبناء غير شرعيين أو تشكك في نسب أبناء ولدوا على فراش الزوجية، و الحقيقة لا تتضح إلا بعدما يكون قد سبق السيف العدل مثلما حدث مع القائد “نان” اتجاه ابنته”كاشان” التي تنكر لها أو اتجاه ابنه “ساي” الذي كان السبب في قتله و هلاكه.
أما الصراع الأبرز الذي كان في “بلاد جندوايا” هو الصراع حول إرث الأجداد و البقاء للأقوى في تولي الحكم و السيطرة على البلاد، غير أن القوة أحيانا لا تكون بحدة السيف و العضلات و إنما برجاحة العقل بطيبة القلب و المحبة الخالصة، و هذا ما جعل الفوز بالحكم يؤول إلى “لاوي” ابن “كاشان” و حبيبها “رام” الذي كان و والده فداء لقيمة الحب و عنوانه الأبرز في الرواية، فالمعدن الأصيل لا يصدأ أبدا.
و حتى يكون الربط بين “أرض لوراسيا” و “بلاد جندوايا” منطقيا لدى القراء جعل المنفلوطي عظمة قوة الحب التي نجت من بطش شرور النفس و آثامها في “أرض لوراسيا” هي النور الذي ينير ظلمة “بلاد جندوانا” التي هلكها الجشع و الطمع الذي استبد بالأخ ضد أخيه و ابن عمه، و لأن كل السفينة لا يستقيم رسوها إلا في مينائها الأصلي، آثار أبطال جندوايا العودة إلى لورسيا الميناء الأصلي لجذورهم و إعادة إعمار أرضهم من جديد فقوة الخير قادرة على إحيائها مهما كانت شدة شرارة الحقد و الشر التي أكلت الأخضر فيها و اليابس.
و لأن المنفلوطي أبان عن ملكة الإبداع لديه من خلال قدرته على توجيه بوصلته نحو اختيار مكان و زمان بناء حبكته بتفرد و امتياز، اعتماد سلاسة الأسلوب و البساطة، اختيار التشويق و الإثارة، و الغوص في عالم الغرابة و الخيال…، توجه يبصم من خلاله اسمه ضمن لائحة كتاب الفانتازيا الذين علا صيتهم في الآونة الأخيرة.


