عبد الصمد بن شريف يصدر حواراته مع الشاعر محمود درويش
أحمدالطاهري/شؤون
أصدر الكاتب الصحافي، عبد الصمد بن شريف، الحوارات التي أجراها مع الشاعر الفلسطيني الكبير، محمود درويش، في كتاب، حمل عنوان: “الشاعر محمود درويش- أنا حيث أنا- مشروع حضور مقابل العدم”.
ويتضمن الكتاب، الواقع في 124 صفحة والصادر عن منشورات (مكتبة السلام الجديدة)، أربعة حوارات جرت في مناسبات مختلفة ما بين 1995 و2005، وهمت قضايا متعددة، شملت بالخصوص السياسة والقضية الفلسطينية، التطبيع والسلام، الوجود والموت، الأم والهوية، الشعر والعالم.
وفي تقديمه للكتاب، أبرز الكاتب، حسن طارق، أن درويش في هذه الحوارات التلفزيونية يندمج في لعبة الأسئلة والأجوبة، ويستنفر ذاكرته العاصفة باللغة والسياسة ليقدم بذكاء أجوبة سريعة بكلمات مقتصدة ونافذة، حريصا على الانتباه للفخ الذي ينصبه الحوار المتلفز لفارس الكلمة والقلم، محاولا ألا تشوش الصورة العابرة للشاعر في الشاشة على حضوره الخالد في مخيال القراء.
وأكد أن الكتاب ليس مجرد حوارات بين سائل ومجيب. إنه كذلك دليل تواطؤ شعري وثقافي معلن بين الصحافي والشاعر للانتصار على الغياب، مشيرا إلى أن القارئ المغربي والعربي سيكتشف من دون شك أجزاء وأبعادا كثيرة من المشروع العربي والجمالي والإنساني للشاعر الفلسطيني الكبير الذي كان يكن حبا كبيرا للمثقفين والمبدعين المغاربة.
ويتضمن الكتاب، الذي وقعه بن شريف مؤخرا خلال المعرض الدولي للكتاب بالرباط، إضاءات من كتابات درويش ومواقفه، ومنها تأكيده بأن الجمهور المغربي يقدم له دائما إجابة عن سؤالين صعبين جدا. كيف يكون الشعر ضروريا، وكيف يكون الشعر ممكنا. “في المغرب -يقول درويش-، دائما أشعر بفضل الجمهور المغربي أن الشعر ضروري وممكن، فشكرا للجمهور المغربي”.

وعن الكتابة عن الحب، يوضح درويش أنها شكل من أشكال المقاومة الجمالية للخطاب الدراماتيكي، الذي يفرض علينا أن نكتبه، لأنه في موضوعة الحب تجد حيزا للتعبير عن فرح لا تجده إلا هناك، فرح بالحياة، بالعلاقة الإنسانية. بمشاركة الآخر أسئلته وحياته وتطلعاته وأحلامه، وكذلك أن تكتب، أيضا، عن الطبيعة، ففي الكتابة عن الطبيعة والحب، هناك المنطقة الوحيدة التي يتجلى فيها الفرح بالشعر، لأن الشعر مليء بالأحزان.
ومن أبرز هذه الإضاءات، تأكيد درويش بأن التطبيع هو أن تقبل حلا وسطا بين ذاكرتين وروايتين لتاريخ هذه الأرض، مشددا على أن هذا هو التطبيع العميق، وهذا لم يجر حتى الآن، وأنه عندما نصل إلى الحل السياسي وقضايا الوضع النهائي، سنصطدم، مرة أخرى، بالعقبات الإسرائيلية، ويكتشف العالم أن العقبة الرئيسية أمام السلام هي الفهم الإسرائيلي لمفهوم السلام.
ولا تخلو هذه الإضاءات من بوح واعتراف، كقول الشاعر الراحل إن عمره يدعوه، الآن، إلى أن ينتبه إلى الوقت ـ ويذكره بأنه ضيع وقتا كثيرا في زمن الشباب، مبرزا أنه لذلك هو حريص كثيرا على ألا يضيع وقتا آخر. وهو عندما لا يعمل، يشعر بإحباط شديد، ويشعر بأنه أضاف إلى خسائره خسارة جديدة، فهذا العمر يعلمه أن يقسم وقته بدقة، وأن ينتج ويعمل أكثر، لأن المستقبل لم يبق أمامه طويلا.
ويحكي عبد الصمد بن شريف كيف ظفر بمحاورة درويش، الذي كان يبدو صيدا ثمينا للصحافة، بيد أنه، غالبا، ما كان يعتذر بلباقة ولياقة، خصوصا وأنه لا يحب الأضواء كثيرا.
في هذه الحوارات، نستشعر متعة كبيرة في قراءة أفكار قامة إبداعية استثنائية راكمت تجربة غنية وفذة في الكتابة والموقف السياسي والإنساني. يقول الشاعر الراحل: “يمكن أن تكون دولة كبيرة، وغنية جدا، خالية من الشعر، ويمكن أن تكون دولة في طرف ما من العالم، أو من التاريخ، وفيها ازدهار شعري. إذن، هناك ديمقراطية إلى حد ما، وهناك مساواة، وهناك عولمة غير مهيمنة في عالم الشعر. من جهة أخرى، نتعلم- وهذا أساسي أيضا-، كيف نطور الصلة والجسر بين الذات الشعرية المبدعة والمتلقي الشعري، لأنه لا يمكن للشعر أن يتطور من دون قارئ متطور، فالاطلاع على المتطلبات الجمالية للجمهور هو أحد العبر والدروس الجمالية الأساسية في العملية الشعرية.
ومن المقاطع المؤثرة في الكتاب، حديث درويش عن تجربته في المستشفى، حيث اعتبرها أخطر تجربة وجودية تعرض لها في حياته، ونقلته إلى أسئلة ميتافيزيقية، وأسئلة عن الوجود والعدم، وعن عبثية الحياة وجدواها. يقول:”كنت في غيبوبتي أهذي بشعر آخر تماما، وعندما أفيق من الغيبوبة، أنسى كل هذا الشعر، وأعتقد أن التعبير عن خطورة هذه التجربة وخصوبتها سيأتي في وقت ما، لكن أهم شيء تعلمته هو أن الحياة هدية، وتجربة كبرى، علينا أن نحسن التعامل معها، ونحسن تقديم الشكر والعرفان لمهديها. من هنا، خرجت بمشاعر متناقضة من الأمل، ومن الإحباط أيضا، ولكن، اقتربت أكثر من الأسئلة الوجودية وأسئلة ما وراء الطبيعة”. (ص 70)
وعن إكراهات الجمهور ومتطلباته حيال الشعر، قال درويش إن ما يشكو منه هو أن تتم قراءته مسبقا قراءة سياسية، أو أن يتم، من خلال قراءة شعره، البحث عن وثائقية القضية الفلسطينية. “لست مؤرخا بقدر ما أنا شاعر، لذا، من الطبيعي أن ينفصل النص الشعري عن مكونه الأول، وعن واقعه. لكن، للشعر خصوصية، يجب أن يحرص الشاعر على تحديدها وتعميقها وتكثيفها، لأن الشعر مستقل في بحثه عن جماليته وشروط شكله. بالتالي، لا أرى تناقضا بين أن أكون منتميا ومؤمنا بقضية إنسانية كبرى، كالقضية التي أحمل، بما تتضمنه من معان، كالعدالة والحرية والمنفى، وبين أن أكون حريصا على تطوير مشروعي الشعري الجمالي، لأن التدقيق في جمالية الشعر مسألة لا تقل أهمية عن البحث عن شعر القضية، والبحث عن قضية الشعر، بحد ذاته، طبيعة مختلفة عن بعض أشكال التعبير الوطنية” (ص82).
وعن حالة حصار رام الله والمقاطعة، يحكي الشاعر الراحل بألم عن هذه اللحظات التي لا تنسى في ذاكرة أي فلسطيني، أو أي عربي، شاهد أو اطلع على هذا المشهد التراجيدي. يقول إن نهاية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات “كانت تراجيدية ومؤلمة، اختلطت فيها كل العناصر السياسية الركيكة التي أحاط بها الإسرائيليون نهاية عرفات، فكان هناك خلط بين الأسطوري والبراغماتي واليومي والعادي” (ص109).
وعن المشروع الذي لا يتحقق، والمتمثل في البحث عن الشعر الصافي، يوضح درويش أن الشعر الصافي مفهوم يسعى أي شاعر إلى تحقيقه، هو المتحرر من عبء التاريخ، ومن عبء الواقع، وهذه عملية مستحيلة، فالإنسان لا يستطيع أن يتحرر من ضغط التاريخ والواقع، لكن، عليه أن يسعى إلى ذلك، ليحرر شعره من آثار راهن يزول، لكي يبحث عن الجوهر والعمق. هذا غير موجود، لكن، علينا أن نحاول ونصدق أنه موجود، لكي نبحث عن الشعر المستحيل” (ص 120).
بوصف جميل للأمكنة والسياقات، وبأسئلة ذكية مصاغة بأسلوب أدبي رفيع، يسلط عبد الصمد بن شريف، وهو الكاتب والصحافي المتمرس في التعامل الحاذق مع الكلمة والصورة على مدى عقود، الأضواء على جوانب عدة في حياة ومسار الشاعر الفلسطيني الراحل، مقدما للقارئ مادة دسمة عن هذه القامة العربية الإبداعية الفذة التي أسرت القلوب والعقول بإرثها الشعري والجمالي والإنساني المميز.
أحمدالطاهري إعلامي وكاتب

