على مشارفه أصاب فؤادي رمح صوبته محاربة رومانية من عهد الحروب البونية، التي حارب فيها القرطاجيون ضد الرومان. لو كان رمحا واحدا لحاولت صده بدرع اللامبالاة، ولكنه رمح وثانٍ وثالث. نظرت إليها وأنا أتفرس في ملامحها، فجّرني هواها الشرسُ عندما بادلتني نظرة بنظرة وابتسامة بابتسامة، رفعتني من مقام الشهوة إلى مقامٍ أجلَّ وأسمى، مقام صعُبَ علي تحديد ماهيته لكنه أخذني أخذا وقد خُيِّل لي أنها طالبة في شعبة التاريخ بجامعة روما فأمعنت فيها النظر أكثر فأكثر وطلبت منها إرشادي إلى مدخل الكوليسيوم فلم تتردد في اصطحابي لأنها كانت تسير في نفس الاتجاه كما فهمت ذلك من إشارتها. بالرغم من أنها أجابتني في البداية باللغة الإيطالية ذات السحر الموسيقي الآخاذ. وأنا أسير إلى جانبها، حاولت أن أصيخ السمع إلى شروحاتها لعلها تكشف لي بعض أسرار هذه المدينة..
بادرتني بالسؤال عن انطباعي حول زيارتي لمدينتها وقد علمت أني أقوم بها لأول مرة، فلم أتردد في القول بأن أكثر شيء أثار شهيتي وزادني يقينا بأن أبواب الجمال في روما لا يحتاج المرء إلى دلائل لفك شيفرتها، بل إنها تقرأ من تلقاء نفسها.. لم أخْفِ عنها فرحتي إذ تم استقبالي من طرف الرسام الشهير ليوناردو دافينتشي مادا ذراعيه مرحبا بي في بلد أجداده وأجدادها؛ الفيلسوف شيشرون، والمؤرخ بلين، والجغرافي بطليموس والرحالة ماركو بولو.. لم أتردد في أن أعلن لها اندهاشي من بعد المسافة والهوة الكبيرة ما بين الذي درسته في الأوراق في مقهى الريو وأنا طالب في شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في مارتيل وما أشاهده الان ماثلا أمامي! أخبرتها أيضا بأن روما بدت لي كمتحف كبير مفتوح أمام الجميع. يعرض تاريخها العريق بدءا من المطار الذي يستقبل الزوار بأعمدة رخامية فخمة، وتماثيل متناهية الدقة لأباطرة الرومان ورواد الحركة الإنسية، فأينما وقعت العين رأت تحفا متعددة أشكالها وأنواعها، من نافورات ومجسمات تحكي أساطير الأقدمين، وتُدِرُّ أموالا على المواطن الإيطالي المعاصر، ناهيك عن جداريات الموزاييك التي تكاد تؤثث كل شارع من شوارع هذه المدينة الأزلية. فالتاريخ فيها يفيض من كل حدب وصوب، والجمال يكاد يتدفق من كل ناحية وله في كل ركن مساجلة.. هذا ما بدا لي وأنا أقصد الكولسيوم رفقة مرشدتي الإيطالية التي تتقن لغات شتى، إلا أنها لم تخف عني امتعاضها من اللغة الفرنسية.

لما وصلنا إلى الكوليسيوم رفعت عيني أتأمل الأعمدة والأقواس المنتصبة انتصابا وكأنها في انتظار موكب نصر جديد، أطلت النظر في هذا الصرح الشامخ الذي يجمع ما بين الضحك والبكاء، والفرح والحزن، والعبث والتفجع، والتهليل والنحيب، والمجون والحكمة، والهزيمة والنصر. فأدركت أن كل بداية تتلوها نهاية وكل نهاية تعقبها بداية وهي حقيقة لا تحُول ولا تزول.
طلبت منها أن تطلعني على بعض ملامح تاريخ هذا الصرح المعماري المهيب فقالت:…..
يتبع..

